الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

122

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والوسطى اللتين تقع إحداهما إلى جنب الأخرى . وقال البعض الآخر : إن هذا التعبير لكون القيامة موجودة ، كما نرى ذلك في المثل السائر كل ما هو آت قريب . ولا منافاة بين هذين التفسيرين ويمكن أن تكون الآية إشارة إلى كلا الأمرين . واحتمل بعض المفسرين - كالقرطبي - أن يكون الحساب هنا إشارة إلى " القيامة الصغرى " ، أي الموت ، لأن جزءا من المحاسبة وجزاء الأعمال يصل إلى الإنسان حين الموت ( 1 ) . إلا أن ظاهر الآية ناظر إلى القيامة الكبرى . ثم تبين الآية التالية علامة من علامات إعراض هؤلاء بهذه الصورة : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون فلم يتفق لهم أن يتدبروا ساعة في كلام الله المجيد ، ويتأملوا في آياته بجدية ، ويحتملوا - على الأقل - أن تكون مؤثرة في حياتهم وعاقبة أمرهم ومصيرهم . فهم لا يفكرون في الحساب الإلهي ، ولا في تحذيرات الله سبحانه . وأساسا فإن أحد أسباب شقاء الجهلة والمتكبرين هو اتخاذهم النصائح ومواعظ الأخيار لهوا ولعبا دائما ، وهذا هو السبب في عدم تنبههم من غفلتهم ، في حين أنهم لو تعاملوا بصورة جدية مع تلك النصائح ولو مرة واحدة ، فربما تغير مسير حياتهم في تلك اللحظة ! كلمة " ذكر " في الآية إشارة إلى كل كلام منبه يوقظ الغافلين ، والتعبير ب‍ ( محدث ) إشارة إلى أن الكتب السماوية كانت تنزل الواحد تلو الآخر ، وتحتوي كل سورة من سور القرآن ، وكل آية من آياته محتوى جديدا ينفذ إلى قلوب الغافلين بطرق مختلفة ، لكن أي فائدة مع من يتخذ كل ذلك هزوا ؟

--> 1 - تفسير القرطبي . الجزء 6 ص 4307 .